فقد نظره على المسرح وقتلته زوجته حيًا.. قصة مأساوية في حياة عبد الفتاح القصري

0

ينشر “سكاي مصر” نص تدوينة كتبها الناشط أحمد الكراني، يروي فيه قصة مأساوية في نهاية حياة الفنان الراحل عبد الفتاح القصري.

يقول الناشط:
نهاية “عبد الفتاح القصري” كانت على المسرح اللي عشقه وحرق فيه عمره، بس كانت مأساوية أوي، وقف يأدي دوره قدام رفيق عمره “إسماعيل ياسين” سنة 1962م، وفي عز الضحك فجأة الدنيا ضلمت في عينه، وصرخ بعلو صوته: “أنا مش شايف حاجة”،

زادت قهقهة الحاضرين مفكرين إن دا إفيه من إفيهاته الشهيرة، الوحيد اللي حس بيه كان “سمعة”، ساب المسرح وقطع سيل النكات عليه وسحبه على الكواليس، وتم نقله بسرعة على مستشفى الدمرداش، اتفاجئ الجميع بإصابته بالعمى وقالوا إن نتيجة ارتفاع عنيف في ضغط الدم..

الراجل اتدمر حرفيا وانقلبت حياته، وكانت ضحكات الناس وابتساماتهم من لحمه وأعصابه، ودفع تمن بحثه عن الذرية في زيجاته التلاتة الأولى، وما اترزقش خلالها بأبناء، خصوصا إن مراته الأخيرة عملت فيه عمايل شنيعة، أفاعيل جهنمية شيطانية يعني، كانت بنت أصغر منه ب20 سنة بتأخذ كل فلوس شغله وتعطيه مصروف، وبعد عماه اتنكرت له وطلبت منه الطلاق، بعد ما خلته يكتب لها كل ممتلكاته بيع وشرا، أيوة، كل ميراثه من أبوه الجواهرجي راح للست دي، ومش بس كدا..

من جبروتها، اتزوجت من عيل صغير كان بيعطف عليه “القصري” وبيعتبره الابن اللي ما خلفهوش، ودي كانت الصدمة اللي هدت حيله، وأصابته بالاكتئاب، خصوصا بعد ما جابته يعيش معاها في شبيته، وبالغصب اضطر “القصري” يمضي شاهد على عقد جواز مراته السابقة من ربيبه! عشان يضمن فتات الحياة، مجرد أوضة يتاوى فيها ولقمة تسد جوعه، وكله من خير الراجل، متخيل الموقف، حاجة في منتهى الذل يعني، فانعزل عن الدنيا كلها، وقعد حزين على نفسه رافض للحياة، والحسرة بتنهش في وجدانه كل لحظة..

وفي ظلام العمى مرت الأيام وهو بيفتكر تاريخه من يوم ميلاده في 15 أبريل 1905م، وبيت العيلة الكبير الفخم في حي الحسين، والتعليم الفرنساوي الراقي في مدرسة “الفرير” العريقة، وتزويغه بعد ما عرفت رجليه طريق المسارح، وافتكر الكف اللي لبسه من “جورج أبيض” وطرده من فرقته، بعد ما لبس كف جديد من مراته وطردته، ودا بحسب اللي قاله الإذاعي “إمام عمر” في برنامجه “قول يا عم”..

وقررت الفنانة “نجوى سالم” والفنانة “ماري منيب”، زيارته، وفوجئوا بأن زوجته القديمة منعت الناس عن زيارته، ولقيوه مصاب بشبه فقدان الذاكرة، وراح قعد في شقة قديمة، جات الحكومة وكملت على باقي الأمان في حياته وهدمت له البيت اللي سكن فيه، فاضطر إنه يقيم في أوضة فقيرة جداً والمجاري طافحة فيها، كانت تحت بير السلم في واحد من البيوت المتداعية في حي الشرابية، وأصيب من الفقر والبرد وعدم الاهتمام وجاله تصلب في الشرايين، أثر على مخه وأدى لفقدان كامل للذاكرة، ما بقاش عارف نفسه أصلا..

الفنانة “نجوى سالم” نقلته لمستشفى القصر العيني، بعد ما وقع في الشارع والناس شالوه ورجعوه، واتصلت “ماري منيب” بالفنانة “هند رستم” وشرحت لها حالته، فعز عليها اللي حصل له، فقامت بحملة تبرعات بين النجوم لصالح “عبد الفتاح لقصري”، ودفع “إسماعيل ياسين” و”فريد الأطرش”، ولما راحت للفنان “عبد الحليم حافظ” فسأل عن المبلغ اللي دفعه فريد، ودفع 250 جنيه زيه..
وفضل “القصري” بيفتكر عمره كمشاهد بتومض في خياله، بعد ما طرده “جورج أبيض” من المسرح بسبب إنه ضحك الناس بدل ما يقدم الدور بتراجيديا، ورد عليه وقال: “بحب أضحك الناس هو أنا لازم أبكيهم”، الصحف نقلت اللي حصل فطلب النجم الكبير “نجيب الريحاني” من مدير مسرحه أن يحضر له “القصري” بأي شكل، وبالفعل انضم لمسرح الريحاني سنة 1926م، لتصبح دي هي الإنطلاقة الحقيقية ل”القصري”، وبقى أشهر كوميديانات في تاريخ السينما..

كان طقم التمريض بيفكروه بتركة ال170 عمل، وبيرددوا عليه كل الإفيهات الأشهر في أعماله، أبرزها “يا صفايح الزبدة السايحة”، “أنا لا يمكن كلمتي تنزل الأرض أبدا”، وغيرها، لكنه كان في الضياع، أعمى، مريض، فاقد للذاكرة، حاجة في منتهى السواد يعني، وبيعاني من تخلي كل الناس عنه، معدوم الدخل لحد ما حنت عليه النقابة وصرفت له 10 جنيه كمعاش شهري، إعانة له..

الوحيدة اللي وقفت جانبه كانت أخته “بهية”، اللي في الصورة دي، قعدت تخدمه وهو حتى ما يعرفهاش، وراحت “نجوى سالم” لمحافظ القاهرة وقتها “صلاح الدسوقي”، فحصلت للقصري على شقة بالمساكن الشعبية في منطقة الشرابية، و”ماري منيب” كلمت الكاتب الكبير “يوسف السباعي” فقام بالتبرع بمبلغ 50 جنيه لشراء غرفة نوم له، عشان يلاقي “القصري” سرير ينام عليه، كان بيتسول الرعاية حرفيا يعني، وانحصرت عنه الأضواء وبقى عايش لحد ما يموت، مجرد نفس داخل وخارج بس..

حاليا اتعرفت حالته طبيا إنها إصابة بالزهري، هي القشة اللي قسمت ضهره، ووصل المرض معاه للمرحلة التالتة، واللي ما يعرفش الزهري دا مرض تناسلي وهو الوجه الآخر للإيدز، وكلنا عارفين الأمراض الخبيثة دي، ومؤخرا أظهرت تقارير طبية إن إصابته بالعمى كانت المرحلة الأولى من إصابته بالميكروب اللعين، ومع تطور المرض في ظل الإهمال والفقر والقرف دا اتمكن منه، فتوقفت دماغه واتشل وفقد الإدراك من حالة الزهري العصبي، بقى خرقة قديمة مرمية كدا أشبه بجيفة مجردة من مظاهر الحياة باستثناء أنفاس متقطعة مبحوحة، لحد ما جت النهاية وهو ما كملش 60 سنة من عمره..

في 8 مارس سنة 1964م، بعد ما اشتدت عليه نوبة المرض الملعون وما لقاش حد يلحقه، أصيب بغيبوبة وتم نقله لمستشفى المبرة وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة، وأنهت الفنانة “نجوى سالم” إجراءات الدفن وتصريح المستشفى، وانطوت صفحة من تاريخ الفن بكل ضحكها وسعادتها، بكل حزنها وكآبتها، بكل حسرتها وندمها، بكل قسوتها وعنفها، ووصل لذروة المأساة لما ما حضرش جنازته إلا 6 أفراد، هما أخته “بهية” والفنانة “نجوى سالم” وجيرانه “قدري المنجد” و”سعيد” عسكري الشرطة وآخر حلاق وصديقة الترزي، واحد من عمالقة الكوميديا بعد حياة تراجيدية ومأساوية، تتناقض مع الحياة المبهجة اللي قدمها لنا على الشاشة..

الله يرحم عبد الفتاح القصري ويسامحه..