“لسنا عاهرات”.. سيدات مصابات بالإيدز بين جحيم المرض وقسوة المجتمع

0

“كانت تنظر إلى يمينها كأنها تراه أمامها، وتحولت نبرة صوتها فجأة من سيدة لطيفة تحكي تفاصيل معاناتها إلى امرأة عصبية. “أقول له لست عاهرة ولينجّك الله من المرض. ما زالت الحياة أمامك وقد تفاجئك”.

هكذا ردت سميرة المصابة بالإيدز عن الإساءة التي تعرضت لها من زوج صديقتها. رغم مرور سنوات على الحادثة، في كل مرة تتذكرها وطريقة شتمه لها حين لجأت إلى بيتهما ما زالت تؤلمها وتجعلها عصبية.

سميرة واحدة من بين 21,5 ألف مغربي مصابين بداء فقدان المناعة المكتسبة (6 آلاف منهم لا يعرفون حقيقة حملهم للفيروس)، من بينهم 38 في المئة من النساء، ووفق منصة رصيف 22، فإن عددًا كبيرًا من هؤلاء النساء يقدر بـ 70 في المئة أصبن بالعدوى من أزواجهن، بحسب معطيات أعلنتها “الجمعية المغربية لمحاربة داء السيدا”، في اليوم الأول من ديسمبر 2020، الذي يخلد فيه اليوم العالمي لمحاربة داء فقدان المناعة المكتسبة.

حرمان من الأمومة
تعمل سميرة (38 سنة) حاليا في مقهى في مدينة بني ملال، وسط المغرب، بعدما اختارت الهجرة من مسقط رأسها الدار البيضاء، بحثا عن علاقات إنسانية جديدة ولتهرب من قسوة ذوي القربى والجيران. تحكي: “بعد تشخيص إصابتي، أعلنت ذلك لعائلتي وجيراني ومعارفي. طردني والدي من البيت أما أعمامي فقطعوا علاقتهم بي وخالاتي منعن أبناءهن حتى من السلام علي. حين لجأت إلى صديقتي المقربة وصفني زوجها بالعاهرة وطردني من منزله هو الآخر. لن أنسى ذاك اليوم ما حييت”.

وصف “العاهرة” يحيل في المخيال الجمعي إلى النساء اللواتي يمارسن الجنس مع “أي شخص”. ويعتبر هؤلاء أن عاملات الجنس وحدهن من يصبن بأمراض من هذا القبيل، على الرغم من أن الكثيرات منهن يتخذن كل الاحتياطات والحماية الواجبة لهن ولزبائنهن.

ورغم أن سميرة تدرك أن العدوى نقلت إليها عبر زوجها، إلا أنها ترفض فكرة الفراق وتؤكد لرصيف22: “صحيح أننا لا نقطن في نفس المدينة، فهو يعيش حاليا في مدينة العيون، إلا أننا نلتقي مرة كل بضعة أشهر، ورغم أنني أحبه أفضل ألا أنجب منه. حرماني من الأمومة أرحم من أن يتعرض أبنائي للإساءة بسبب أمهم أو أبيهم المصابين بالإيدز. ألسن الناس لا ترحم”.

وقبل أن نختم حديثنا مع سميرة، طرحنا سؤالا بسيطا: “ما هو حلمك؟”. سكتت قليلا ومدت يدها إلى فمها كأنها تمنع الكلمات من الخروج وقالت: “حلمي بسيط. أحلم بعمل محترم ومنزل على مقاسي لأعيش في سلام مع زوجي بعيدا عن المشاكل والنزاعات”.

قتلني مرتين
وإذا كانت سميرة اختارت وبدافع الحب والعشرة الاستمرار في علاقتها الزوجية، فعبلة (43 سنة) رفضت ذلك، تتذكر قائلة: “يوم علمت بإصابتي بالإيدز قررت أن أطلب الطلاق. لأن رجلا سمح لنفسه بممارسة الجنس معي وهو يعلم أنه مصاب بالإيدز يستطيع أن يفعل أي شيء. قتلني مرتين، الأولى حين خانني والثانية حين نقل إلي العدوى”.

بعد الطلاق قررت عبلة أن ترتدي الحجاب وتعلمت الخياطة وبدأت مشروعا صغيرا بمنطقة سباتة الشعبية بالدار البيضاء وتقول إنها أصبحت أقرب إلى الله عبر حفظ القرآن والصلاة والدعاء. وتوضح: “لا يعرف الكثيرون من معارفي أنني مصابة بالإيدز. وأتمنى أن يعامل المصابون به معاملة حسنة كباقي المرضى. فالإصابة به لا تعني أننا عاهرات”.

عائلة زوجها وبعد علمهم بإصابة ابنهم، اتهمت عبلة بأنها عاملة جنس، تقول: “همست والدته في أذني ‘الله يغفر ليك ما درتي’ (الله يغفر لك ما فعلت)، لكنني ثرت في وجهها والحمد لله نطق هو بالحقيقة وخرجت من بيتهم يومها دون رجعة. حاول التواصل معي أكثر من مرة لكنني أؤمن الآن أنني أستطيع العيش من دون رجل”.

أنا وابنتي نواجه المرض
الجمعية المغربية لمحاربة السيدا، والتي تعد واحدة من أكبر المنظمات المدنية الناشطة في مجال التوعية بالمرض في المغرب كشفت أنه تم تسجيل 850 إصابة جديدة بالإيدز خلال عام 2020، 34 بالمائة منهم تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، مشيرة إلى أنه تم خلال نفس السنة تسجيل 300 حالة وفاة بسبب الداء العالمي، الذي لم يوجد له لقاح بعد.

وأشارت الجمعية إلى أن 65 في المئة من الإصابات المسجلة بالإيدز في المغرب، تسجل في ثلاث جهات، أولها جهة سوس ماسة (25٪)، مراكش آسفي (21٪) والدار البيضاء-سطات (20٪).

قصة فاطمة المقيمة في جهة الدار البيضاء وتبلغ من العمر 50 سنة مختلفة عن قصتي عبلة وسميرة، لأنها نقلت العدوى لابنتها وهي حامل بها. “أصعب ما في تجربة الإصابة بالإيدز أنني نقلت العدوى خلال فترة الحمل لابنتي بعد أن نقله لي زوجي ولم أكن أعلم بذلك. حين اكتشفنا الأمر، وشخصت إصابتنا به، أصبت بانهيار عصبي وعشت لسنوات طويلة سجينة الخوف من المجهول”.

تحاول فاطمة أثناء حديثها عن إصابتها بداء فقدان المناعة أن تظل متماسكة وتحكي: ” توفي زوجي في حادثة سير قبل 10 سنوات ولا يعلم أحد أننا وابنتي مصابتان بالإيدز، باستثناء والدتي وأخي الأكبر. الحمد لله نساند بعضنا لكنني أخاف جدا على مستقبلها. صارحتني قبل فترة أنها تفكر في الهجرة لأوروبا فأعلنت مساندتي لها، لأنها تستطيع بدء حياة جديدة هناك، حلمي أن أرى ابنتي مستقلة، ولم لا عروسا لرجل محترم وواع”.

“فحل” و”عاهرة”
المختص النفسي خالد عطاش، اعتبر أن النظرة السلبية من بعض أفراد المجتمع المغربي للمصابين بالإيدز مرتبطة بعلاقة الفيروس بالجنس ويوضح: “الدليل أن فيروس كورونا أكثر شراسة وفتكا من الإيدز، لكن لا أحد يسيء لحامله، مما يوضح أن جل المغاربة ما زالوا يعتبرون الجنس والعلاقات الجنسية بمثابة التابو”.

وأضاف المتحدث: “المضايقات التي تتعرض لها نساء مصابات بالإيدز مرتبطة أيضا بالعقلية الذكورية. فالبعض يعتبر رجلا مصابا بفيروس داء فقدان المناعة فحلا و’ذكرا’، في حين أن المرأة التي تعيش نفس الحالة توصف قدحيا بالـ’عاهرة’، وبهذا يتم التجاهل كليا للأرقام الرسمية التي تشير إلى أن أزيد من 70 في المئة من المغربيات المصابات بالإيدز نقلت إليهن العدوى من أزواجهن”.

ودعا عطاش إلى ضرورة إدراج الثقافة الجنسية في المناهج المدرسية، “لأنها طريقة سهلة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع، ليتعلم الإنسان عبرها كيف يتخلص من عقد ومشاكل نفسية. ويجب أيضا تكثيف الجهود الحكومية، لأن الحملات الموسمية في ديسمبر من كل سنة غير كافية لنشر التوعية ضد الإيدز”.

وتؤكد وزارة الصحة المغربية أن نسبة الأشخاص المتعايشين مع السيدا والذين يعرفون بإصابتهم قد بلغت 78 في المئة، مع ولوج 90 في المئة منهم إلى العلاج بمضادات الفيروس القهقرية، وهي خليط من الأدوية التي تكبح الحمولة الفيروسية عند 92 في المائة منهم.