حزب مصر الفتاة.. عندما غيّر “هتلر وموسوليني” واقع السياسة المصرية

0

“عندما انسدت أغلب طرق الحياة السياسية، وجدوا ضالتهم في الغرب”.. هذا ملخص ما فعله شباب مصريون قادهم أحمد حسين، بتأسيس حزب مصر الفتاة.

تؤرخ مجلة “ذاكرة مصر المعاصرة” الصادرة عن مكتبة الإسكندرية، أنّ “مصر الفتاة” بدأ كحركة سياسية في 12 أكتوبر 1933.

ضمّ الحزب، شخصيات مصرية تولت الزعامة فيما بعد مثل جمال عبدالناصر وأنور السادات، وأيضًا حسن إبراهيم وحسين الشافعي وغيرهم من الضباط الأحرار، كما اختارت “23 يوليو” بعض خريجي مدرسة “مصر الفتاة” مثل فتحي نصار ونورالدين طراف وزراء في أول حكومة لها. 

ظهرت الحركة تأثراً بالحركات القومية بأوروبا، وهي الفاشية بإيطاليا، والنازية بألمانيا، وحاول “حسين” تطبيق هذه النظم مستخدمًا أساليب المواجهة والقوة والعنف، فاتخذت الجماعة تشكيلات شبه عسكرية أطلق عليها “الميليشيا الفرعونية” أو “جيش الخلاص”.

يؤكد ذلك الباحث السياسي عبدالحليم قنديل: ” الحزب تأثر كثيرًا بالنزعة الفاشية والنازية، حيث استعار فكرة القمصان من الحركة السياسية الإيطالية”.

ويضيف لـ”سكاي مصر”: “هذا التأثر كان موضة قائمة من بعيد، دون الاندماج في ممارسات تعبر عن طابع فاشي بشكل صريح”.

التأثر لم يدم طويلًا، ويستدل “قنديل” أنّهم تأثروا عقب الحرب العالمية بانتصار “الاشتراكية”.

ويضيف: “مصر الفتاة كان جزءًا من نزعة لشباب حائر شعر بانسداد الحياة السياسية.. فحزب الوفد كان صاحب الأغلبية لكنّه لم يشكل الحكومة من 1919 إلى 1952”.

هذا الانسداد -يواصل قنديل- قاد إلى ظهور “مصر الفتاة”، ويتابع: “هذه ظاهرة شباب سريع التأثر بالنزعات، لكنّه ظلّ دائمًا على الضفاف، ففي الاشتراكية مثلًا دار حول مشروعات بمعانٍ إصلاحية مثل القرش أو مقاومة الحفاء”.

وتذكر دراسة المجلة أنّ أحمد حسين سمى نفسه “الزعيم” تشبهًا بهتلر النازي، وموسوليني الفاشي، كما كان أعضاء الحزب يرفعون أيديهم إلى أعلى للتحية على طريقة الفاشست.

وأراد حسين أن يكون الحزب بطابع عربي وفهم إسلامي، فاتخذ شعار “الله أكبر والمجد لمصر”، كما أنّ أعضاءه استبدلوا السلام المعتاد بالتحية بهذا الشعار.

أسبابٌ أنشأت الحركة

في خضم الانسداد السياسي وعدم وجود أحزاب تستهوي الشباب، وظروف داخلية منها تصريح 28 فبراير 1922، وتدخل الإنجليز في دستور 1923، والأزمة الاقتصادية العالمية عقب الحرب العالمية، حتى برزت “مصر الفتاة” في أكتوبر 1933 كاحتجاج على الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد.

ويذكر الدكتور علي شلبي في كتابه “مصر الفتاة ودورها في السياسة المصرية”، أنّ “الحركة السياسية عانت من الاهتزاز في أعقاب تصريح فبراير، وكان ذلك مبرراً لظهور تجمعات سياسية تعتمد على القوة.

ويذكر خالد عكاشة في كتابه “أمراء الدم: صناعة الإرهاب من المودودي وحتى البغدادي”، أنّ “أحمد حسين أول من أدخل إلى الحياة السياسية المصرية فكرة التنظيمات شبه العسكرية”.

في أكتوبر 1933، تشكّلت جمعية “مصر الفتاة”، وساندتها وزارة علي ماهر باشا، وفي 31 ديسمبر 1936، تحولت إلى حزب سياسي، وزار “حسين” ألمانيا في 1938 وتأثر ببعض الأفكار، ودعا إلى حل النظم الديكتاتورية، لكن وُجّهت له اتهامات بأنّه خائن بسبب اتصاله بالألمان.

وفي 1938، أيّدت “مصر الفتاة”، الملك فاروق، ونادت بإحياء الخلافة في شخص الملك، وطلبت الأخذ بالشريعة الإسلامية أساساً للحياة في مصر، وحمّلت الحضارة الغربية مسؤولية تفكك نسيج المجتمع المصري، وإضعاف ما تميز به من تكافل، ونادت بأن تتولى القاهرة زعامة الشرق، وأن يصبح الأزهر الناطق باسم الأمم الإسلامية.

بعد ذلك بعامين، تحولت الجماعة إلى الحزب الوطني القومي الإسلامي؛ لجذب قطاعات من الشباب والأعضاء، بعدما أخذ الكثيرون ينضمون لجماعة الإخوان.

الهيكل التنظيمي

شكّل حسين تشكيلات شبه العسكرية متخذًا من إيطاليا نموذجًا يحتذى به، وقوبل ذلك بضغوط من جانب حزب الوفد الذي سعى لتكوين “جماعة القمصان الزرقاء” لمواجهة “مصر الفتاة” أصحاب القمصان الخضراء.

اختلف التركيب الطبقي للحزب عن كافة الأحزاب المصرية، فالجماعة كانت تمثل حركة الطبقة الوسطى أبناء البرجوازية المتوسطة وصغار الملاك، وفي 1937 بذل الحزب جهوداً كبيرة لضم أنصار جدد من الطلبة، وبخاصةً بعد انشقاقات “الوفد”، فحاول “حسين” عقد اجتماعات عامة بالجامعة، وكوّن لجاناً مختلفة منها “اللجنة التنفيذية لطلبة مصر الفتاة بالأزهر”، و”لجنة المدارس الثانوية والخاصة” ، و”لجنة الجامعة والمدارس العليا”.

وحسب “شلبي”، بدأ الحزب تكوين لجان الطلبة داخل كل شعبة من شعبه في القاهرة، فاشترط أن تكون كل شعبة في القاهرة مؤلفة من لجنتين إحداهما للطلبة والأخرى للعمال، ثم تألفت لجان فرعية في الأقاليم.

أهداف الحزب

تذكر مجلة “ذاكرة مصر” أنّ الحزب حدّد أهداف “تحقيق العدالة الاجتماعية والاهتمام بقضايا العمال والفلاحين، ومحاربة الرأسمالية والإقطاع والاحتلال، وتمجيد الوطنية والقومية، بالإضافة إلى فكرة الوحدة العربية والجامعة الإسلامية التي كانت واضحة من خلال برنامجها الذي هدف إلى أن تصبح مصر فوق الجميع، وإمبراطورية عظيمة تتألف من مصر والسودان وتتحالف مع الدول العربية وتتزعم الإسلام”.

ويوضح شلبي في كتابه: “لتحقيق ذلك، احتاج الحزب لشباب من الجيل الجديد، فأعدّ حسين برنامج الجمعية على الأسس السابقة، وضمنه برنامجاً إصلاحياً شاملاً”.

وأعدّ للجمعية قانونها النظامي، وتضمّن نظاماً دقيقاً للتشكيلات شبه العسكرية، وجعل السلطة العليا للإشراف على مختلف شئون الجمعية وأنشطتها لمجلس مكون من 50 عضواً من أعضائها المؤسسين هو “مجلس الجهاد”.

اعتراضات

قوبل إنشاء الجمعية باعتراض وتشكك واضح، وبحسب “شلبي” اعتبرها “الوفد” دسيسة عليه لاستقطاب جماهيره من الشباب، أمّا “القصر”، تجاهلها تماماً.

لكن جريدة القصر نشرت رسماً “كاريكاتورياً” سخر من “القمصان الخضراء”، وهو ما وضّح موقف القصر من الجمعية.

بينما الإنجليز، فقد راعهم موقف الجمعية المعادى لهم خاصةً وللأجانب عامةً، فاتخذوا موقف المراقبة والتريث، لكنّهم تأكدوا من ولائها لإيطاليا، حتى سعوا لإجهاض الحركة، وتولى ذلك “كين بويد” مدير الإدارة الأوروبية بوزارة الداخلية.

ويشير شلبي: “رغم أنّ الجمعية لم تحرز نجاحاً في الحشد الجماهيري، فقد سعت دائمًا لتحقيق ذلك، ولجأت لإجراء تنظيمات داخلية علها تساعدها في ذلك”.

ويضرب مثالًا: “عندما تولت وزارة توفيق نسيم الحكم في خريف 1934 وأعلنت أنّها ستطلق الحريات السياسية، استغلت مصر الفتاة ذلك وطرحت استمارات عضوية جديدة وطالبت الأعضاء بضرورة تحريرها حتى تصبح عضويتهم للجمعية قائمة”.

ويوضح: “على الرغم مما تمتعت به (مصر الفتاة) من حرية إلى حد كبير في عهد تلك الوزارة، إلا أنّ عدد أعضائها لم يزد، بسبب أنّ الوفد بدأ يسترد أنفاسه المنهكة في ظل تلك الوزارة”.

التشكيلات شبه العسكرية

يذكر “شلبي”: “كانت الفاشية موجة أوروبية منتشرة، فظهرت في إيطاليا واستولت على الحكم بالقوة عبر موسوليني، وانتقلت هذه الأفكار لمعظم دول العالم”.

تركّز اعتماد هذه الحركات على الشباب، فعملت على تنظيمهم بشكل دقيق وتدريبهم بأساليب عسكرية تعودهم النظام والطاعة، وعندما تملك القوة المادية، تتحرك لتغيير الحكم، عبر تشكيلاتها شبه العسكرية، بحسب شلبي.

مصرياً، ظهرت هذه الأفكار مطلع الثلاثينات، وطرحها “حسين” أثناء دراسته بالدعوة لتكوين “الميليشيا الفرعونية” أو “جيش الخلاص” لكنها لم تنجح، ثمّ عاود الكرة عندما أعلن قيام جمعية “مصر الفتاة” في خريف 1933، لكن هذه المرة بشكل منظم، بعد أن كسب خبرة بالتنظيم والعمل الجماهيري من خلال عمله بمشروع القرش.

شرع “حسين” في الدعوة لكسب الشباب ليجمعهم حوله، ووضع  لهم الأنظمة التي تكفل له تحقيق فكرته، بتكوين التشكيلات شبه العسكرية، وجعلها أساساً لاهتماماته.

شرعت “مصر الفتاة” في تكوين فرق المجاهدين، ونشرت جريدة “الصرخة” أول صورة لجندي مرتدياً القميص الأخضر في 16 ديسمبر 1933، وظهرت أولى التشكيلات في أقسام العاصمة بشبرا وروض الفرج والدرب الأحمر والأزبكية والأزهر والقلعة، وبلغ مجموع أعضاء المجاهدين 53 عضواً عام 1934.

وفي 1936، تشكلت فرقة مجاهدين (فؤاد الأول)، وضمّت 116 مجاهداً و23 مجاهداً أول و12 مجاهدي كتائب ومدربين عسكريين و2 أركان حرب الجهاد، بالإضافة إلى أحمد حسين الذي سمّى نفسه “المجاهد الأعظم”.

كما شرعت الجمعية في تنظيم العمال الذين يعتنقون مبادئها، في شكل فرق نظامية يرتدى أعضاؤها القمصان الخضراء، وأوضح حسين لهم أنّ هذه الفرق ليس لها علاقة بالنقابات أو الاتحادات العمالية، لكنّها حركة سياسية لتأييد مبادئ “مصر الفتاة”.

لكن “شلبي” يذكر أنّ محاولات الحزب الدائمة للدعاية لتأليف الكتائب كانت دليلاً على أنّ الفكرة لم تلقَ ترحيباً، لأن من انضوى تحت لوائها عرّض نفسه للمراقبة من الشرطة.

وعندما تولى الملك فاروق سلطاته الدستورية، أعلن الحزب تأليف فيلق باسم “فيلق فاروق الأول”، وضمّ أربعة ألوية، وكل لواء تكون من 768 مجاهداً، وتمّ توزيع هذا الفيلق على كل من القاهرة ففيها لواءان يبلغ عدد أعضائها 1536 مجاهداً، ولواء في الإسكندرية والوجه البحري ولواء في الوجه القبلي، ووصل عدد الأعضاء من المجاهدين 3072 مجاهداً.

وعندما تولت وزارة محمد محمود في يناير 1938، واجه الحزب ظروفاً جديدة عندما صدر مرسوم ملكي، نصّ على “حظر الجمعيات أو الجماعات دائمة أو مؤقتة التي يكون لها سواء من حيث تأليفها أو عملها من حيث تدريب أعضائها أو نظامهم وزيهم أو تجهيزهم صورة لتشكيلات شبه عسكرية خدمة لحزب أو مذهب سياسي معين”.

أثّر المرسوم على التنظيمات شبه العسكرية، و طالب “مصر الفتاة” باستثنائه ، ويوضح شلبي: “لم يكن هدف الوزارة حل تشكيلات مصر الفتاة، لكن حل القمصان الزرقاء”.

اضطر الحزب لتدريب أعضائه سراً تحسباً لتعقب أعضائه، وقد ضُبط 11 عضواً من يتدربون على الأعمال العسكرية ولم تضبط لديهم أسلحة.

كما تبرع “أحمد رمضان” أحد التجار بقطعة أرض بالإسكندرية واستخدمها أعضاء الشعبة للقيام بالتدريبات العسكرية.

وفي القاهرة، وبعد أن انضم عبدالخالق مدكور للجمعية، اتفق معه أحمد حسين على إجراء التدريبات بقهوة “الفنتاريو” التي يملكها مدكور، بحجة أنّ الأمن لا يستطيع التعرض لهم في أرضه الخاصة.

أيضًا، اتفق “حسين” مع عباس حليم بإنشاء أندية للتدريبات، وجاء ذلك في نهاية شارع “الملكة نازلي”، فاستطاع حسين توفير أماكن آمنة.

وعن تسليح الأعضاء، أوفدت الجمعية أحد كبار أعضائها (المشهدي) للإشراف على شعبة الإسكندرية، وكان الهدف الحقيقي من مهمته هو الاتصال ببعض مهربي الأسلحة، لعب هذا الدور الملازم ثان عبدالله صادق، عامل بجمارك الإسكندرية، وهو صديق أحمد حسين.

لكنّ الحزب وجد صعوبات في الحصول على الأسلحة حتى تمكن في 1936 من الحصول على بعض المسدسات عن طريق بعض التجار والضباط السابقين بالجيش، وذلك ضمن مخطط الاستيلاء على السلطة.

كان لابد من تدريب الأعضاء على التدريبات على أيدي متخصصين يجيدون فن العسكرية، وفي البداية قام بتدريب الأعضاء من لهم دراية بالنواحي العسكرية، ثم اتجه الرأي إلى أن يتولى ذلك “رجال العسكرية”، وتولى عبدالحميد حسين -كونستابل سابق- تدريب المجاهدين، بمعاونة عبدالله صادق، بحسب “شلبي”.

أرادت الجمعية أن يشرف على التدريب ضابط جيش سابق، فاتصلت بشاكر أحمد، أحد الضباط الذين عملوا بالسودان، وقد أحيل إلى الاستيداع، وتولى التدريبات والعسكرية.

ويتابع: “توفر للجمعية عددٌ من المجاهدين، وأمكن الحصول على الأماكن التي يؤدون فيها تدريباتهم العسكرية، وأتيح لهم مدربون من ذوى الخبرة، وتطلب الأمر إيجاد هيئة عليا تتولى الإشراف على شئون المجاهدين، فتمّ تشكيل مجلس الجهاد لهذا الغرض، ومن مهامه تنصيب المجاهدين، والإشراف على تدريبهم ومدى انتظامهم فى الحضور ، ومراقبة مالية الجمعية وتنظيمها، باعتباره أعلى سلطة في الجمعية”.

ويرى الدكتور شلبي: “التشكيلات شبه العسكرية كان يمكن نجاحها لو عملت بحرية، ولو توافرت لها السلطة التي تؤيدها لتجنيد أعداد أكبر”.

ويضع الكاتب سبباً آخراً، وهو غموض أفكار الحزب، ما كان كفيلاً بعدم إحراز نجاح ملحوظ.

ويوضح أنّ الحزب استخدم أساليب فاشية في تطبيق أفكاره، لكنّ واقع المجتمع اجتماعياً وسياسياً لم يسمح بنمو هذه الفرق.

ورغم أنّ محاكاة الفاشية لم تثمر الثمرة المرجوة، ظل ذلك الفكر يلح على “مصر الفتاة”، حتى بعد أن تحول إلى الحزب الوطني الإسلامي وقبل ذلك عندما منعت الدولة قيام مثل تلك التشكيلات في المجتمع.