سليمان الحلبي وإعدام “الخازوق”.. هل قتل كليبر حقًا؟ أم كذب علينا التاريخ؟

0

بيدٍ أحرِق كفُها، وجسدٍ مكبل لا يقدر على المقاومة لواقعة قتل مشكوك في أن يكون قد نفذها، واجه سليمان الحلبي أبشع إعدام في تاريخ البشرية قبل 220 عامًا، عندما اختار الفرنسيون أن يقتلونه بـ”الخوزقة” عقابًا على قتله للقائد الثاني للحملة الفرنسية كليبر، وفقًا لروايات تاريخية لم تخلُ من التشكيك فيما يتعلق بإقدام “ابن سوريا” على قتل القائد الفرنسي من عدمه.

سليمان ونس الحلبي، من حلب، من مواليد 1777م، جاء لمصر وهو في الـ22 من العمر، حيث توجّه إلى القدس، ومنها إلى غزة، داخل قافلة “صابون ودخان” كانت متجهة إلى مصر، وقد وصلت بالفعل في ستة أيام، حسبما يقول المؤرخ محمد أمير في كتابه “حكايات منسية”، وبعد ذلك ودرس في الأزهر الشريف ويتفقه في علوم الدين والقرآن الكريم، أقام في رواق الشوام رفقة أربعة من الطلبة الغزاويين ، هم محمد الغزي وأحمد الوالي وعبد الله الغزي وعبد القادر الغزي.

يسرد أستاذ التاريخ أشرف مؤنس لـ”سكاي مصر”، أنّ الحلبي كانت لديه حمية وطنية للتخلص من الفرنسيين الذي غزوا مصر في 1798، لأنّه رأى بنفسه ما يقوم به الفرنسيون من قتل لعلماء الأزهر، واقتحامهم للجامع الأزهر بالخيول والاعتداء عليه بالمدافع، والتنكيل بطلبة الأزهر، الذين كثيرًا ما نظّموا مظاهرات تندد بالوجود الفرنسي.

رأي الحلبي هذه الممارسات على مدار عامين، فانخرط في الخلايا السرية التي تشكّلت من أجل مقاومة الاحتلال وفق “مؤنس”، وبفعل الحماسة التي حصل عليه من شيخه عبدالله الشرقاوي أصبح الحلبي أحد قادة هذه الخلايا.

وظّف الحلبي نفسه من أجل التخلص من كليبر، الذي كان القائد الثاني للحملة حتى جاء يوم 13 يونيو 1800، أي قبل يومٍ واحد من عملية الاغتيال، وآنذاك ذهب إلى منطقة قصر الألفي بالأزبكية، أين كان يقيم كليبر، فقد كان القصر مقرًا للقيادة العامة للفرنسيين، وتفقّد سليمان المنطقة وأعدّ خطته ورسم سيناريو العملية، وقرر التنكر على هيئة أحد المتسولين، يقدم مظلمة لكليبر.

وفق الرواية التي سردها “مؤنس”، فقد تناول كليبر برفقة كبير المهندسين قسطنطين بروطاين وجبة الغذاء، وبينما كان في الممر في طريق عودتها إلى القصر، اقترب الحلبي من كليبر، وإذا به يطعنه أربع طعنات بخنجره، فسقط كليبر قتيلًا، وفيما حاول قسطنطين اللحاق بقائده، إلا أنّ الحلبي بادره بخمس طعنات لكنها لم تكن قاتلة.

فرّ الحلبي مسرعًا، لكنّه لم يكن قد أعدّ خطة كاملة للهرب، فانتشار الجنود الفرنسيين في كل حدبٍ وصوبٍ، وهو أمر منطقي بعد مقتل قائدهم، أجبر الحلبي على الاختباء في حديقة القصر، لكن لم يستطع الاختباء إلا لوقتٍ قليل، قبل أن يعتقله الفرنسيون.

سريعًا، شكّل الجنرال مينو في نفس يوم الاغتيال “15 يونيو” محكمةً ضمت القاضي سارتلون، والأعضاء رينيه وروبين ولرو والجنرال مارتينه والجنرال موراند ورئيس العسكر جرجه، ورئيس المدافع فاور، ورئيس المعمار برترنه، والوكيل رجينه، والترجمان براشويش.

وفيما اتفق كل أعضاء المحكمة على إعدام الحلبي إلا أنّ أحدهم قضى بأن تقطع يده، ولأنّ الرغبة كانت عارمة في الانتقام، صدر القرار بأن يتم الجمع بين الحكمين، حيث قضت المحكمة الفرنسية بأن تُقطَع اليد اليمنى للحلبي من الكف إلى منطقة “الرسغ” وإحراقها، ثم إعدامه بـ”الخوزقة”.

قبل إعدامه، لجأ الفرنسيون إلى تعذيب سليمان لانتزاع اعترافات منه، ويقول مؤنس لـ”سكاي مصر”، إن الفرنسيين كانوا يريدون إدانة شيخ الأزهر وقاضي القضاة، لكن الحلبي لم يعترف على أحد, والمعلومة الوحيدة التي توصّل إليها الفرنسيون هي معرفة الأشخاص الأربعة “الغزاوين” الذين كان يقيم معهم الحلبي، وأدانتهم المحكمة رغم أنهم لم يشاركوا في عملية الاغتيال، لكن الإدانة جاءت باعتبار أنّهم كانوا يعرفون بالأمر لكن لم يبلغوا عنه.

الحلبي كان قد أبلغ رفقاءه بأنّ لديه نية للانتقام من كليبر، لكنّه لم يصرح لهم بالموعد ولا الخطة، إلا أنّ ذلك لم يقنع المحكمة الفرنسية التي أصدرت حكمها بإعدامهم، وفق مؤنس.

وفيما لم تستغرق إجراءات المحاكمة أكثر من أربعة أيام وقد انعقدت في منطقة تل العقارب بالقاهرة، فقد جاء يوم الإعدام، ذلك اليوم الذي شهده حشد غفير، ويُرجِع مؤنس ذلك إلى رسالة ترهيب أراد الفرنسيون توصيلها للمصريين.

في البداية – يحكي مؤنس – قام الفرنسيون بإعدام الغزاويين بقطع رؤوسهم، من أجل أن يراهم سليمان أثناء إعدامهم وإحراق جثثه، بعد ذلك اصطحب محافظ القاهرة آنذاك “اليوناني بارتيملي” الحلبي، وتم قطع وحرق كف يده حتى منطقة “الرسغ”.

أعدم الحلبي عن طريق “الخوزقة”، فتمّ إحضار قضيب مدبب “من الحديد” وأدخلوه في فتحة شرج الحلبي عن طريق الدق بمطرقة، ولتعذيبه أطول فترة ممنكة كان الطَرْق هادئًا بحيث لا تُحدث نزيفًا وبالتالي لا يموت مباشرةً.

وعندما رحلت الحملة الفرنسية، أخذ جثمان كليبر في صندوق، وعظام الحلبي في صندوق آخر، إضافة إلى الخنجر الذي تمّ به الاغتيال، وهي متواجدة في متحف الشهداء قرب متحف اللوفر بباريس، وكتب على جمجمة الحلبي “جمجمة مجرم”، وكتبوا على جمجمة كلبير “جمجمة البطل”.

على الرغم من إجماع الروايات التاريخية عن مجريات هذه الواقعة، إلا أنّ عددًا من الكتاب شكّكوا في أحد جوانبها الرئيسية، وهنا يتعلق الأمر بقيام الحلبي بقتل كليبر في الأساس.

يفنِّد المؤرخ أمير أسبابًا، يقول إنّها كافية ليعاد النظر في التاريخ، ويقول إنّ الحلبي لم يكن يعيش في مصر، ولم يكن جهاديًّا ولم يكن قد شارك في ثورة القاهرة، وجاء إلى مصر بغرض الدراسة وكسب الرزق، وبالتالي ليس هناك ما يدفعه ليقتل كليبر.

السبب الثاني، من منظور الكاتب، هو أنّ واقعة قتل كليبر لم يراها إلا هو وكبير المهندسين، وأنّ الحرس لم يروا الواقعة لأنّهم وصلوا بعد هروب الحلبي، ما يعني أنّه لا يوجد شهود إلا في نص اعترافات الحلبي والضباط الذين شاهدوه وسط الخدم.

يُشكِّك “أمير” في الرواية لأنّ الحلبي اختبئ في حديقة القصر، متسائلًا: “لماذا لم يهرب، لماذا احتفظ بالخنجر في يديه؟”، كما أنّ الكاتب يقول إنّ اعترافات الحلبي غير متسقة، ويذكر: “الحلبي قال إنه من حلب، وإن والده كانت لديه مشكلة مع والي حلب، فذهب سليمان يشتكي ضابط عثمانلي اسمه أحمد أغا، فطلب منه هو وياسين أغا أن يذهب يقتل كليبر في مصر لحل مشكلة والده، فذهب سليمان إلى غزة واشترى خنجرًا، وجاء إلى الأزهر وقال إنه سيقتل كليبر بسبب هزيمة العثمانيين بقيادة يوسف باشا في المطرية وترحيلهم إلى الشام”.

يعلق الكاتب على هذا السيناريو قائلًا: “الحوار يتضح أنه يحمل تلفيقًا كبيرًا، والغرض منه إلصاق القضية بالأزهر والعثمانيين”، ويرجع ذلك إلى: “النفوذ العثماني كان حجر عثرة أمام تقدم فرنسا إلى الشرق، أنا الأزهر فقد كان الجبهة الوحيدة التي كانت تثور ضد الوجود الفرنسي بإيعاذ من المماليك”.

سببٌ آخر يسوقه الكاتب وهو أنّ التحقيق مع الحلبي كان مخفيًّا عن المصريين، ويقول: “تحقيق فرنسي بحت بشهود ضباط فرنسيين، تحقيق سريع استغرق يومًا واحدًا والمحكمة استغرقت أربعة أيام.. محكمة صورية كل أعضائها فرنسيون، واكتفوا بنشر الاعترافات في الصحف بثلاث لغات”.

ويقول الكاتب إنّ الحلبي تعرّض لتعذيب كبير جدًا على يد بارتلمين يني، وقد كان التعذيب على يديه كفيلًا بأن يملي أي اعترافات، وقد صرّح الجنرال مينو بأنّ اعترف الحلبي بعد ضربه.

يستشهد الكاتب أيضًا بأنّ “باتلمين يني” كان موهوبًا في التعذيب وقطع الرقاب، ويقول: “لقد دخل ذات على رينيه القائد الفرنسي بـ”شوال”.. كان مليئًا برؤوس مجاهدين بدو”.. الحملة الفرنسية كانت تستخدمه كبوليس ومن السهل استخدامه لإجبار الحلبي على الاعتراف، وتجلّى ذلك في أنّ الحلبي أنكر في البداية كل الاتهامات فأمروا بضربه حتى توسّل إليه لوقف تعذيبه من أجل الاعتراف”.

وضع الكاتب سببًا آخر، وهو أنّ الغزاويين الأربعة أنكروا القصة، وزاد على ذلك أن الحلبي اعترف أنّهم حاولوا يمنعوه عن ذلك، ومع ذلك رفضت المحكمة أن تبرِّئهم، وحكمت عليهم المحكمة بقطع رؤوسهم، بدون حق الدفاع عن النفس أو نقض الحكم، كما أنّ الحلبي في أول استجواب له قبل تعذيبه قال إنه لم يقتل أحدًا، وأنّه جاء إلى مصر من أجل العمل بعد اتفاقية العريش التي وقعها كليبر مع العثمانيين، لكن التعذيب جعله يغيِّر كلامه.

يُشكِّك الكاتب أيضًا في أنّ الشهود الذين أدانوا الحلبي هما ضابط اسمه بيروس وهو سكرتير كليبر، وقال إنّه رأى سليمان يراقب كليبر في قصر الألفي، وحاول الدخول قبلها بيوم بحجة أن لديه شكوى لكن الضابط طرده، والشاهر الثاني هو الضابط ديفوج وقال إنّه رأى سليمان يوم الاغتيال وسط الخدم في حديقة القصر، وظنّه أحد الخدم الخدام لكنّه شكّ فيه أمره ثم طرده، وهو ما أثار شكوك الكاتب.

ويتساءل الكاتب: “قال الشهود إنّه دخل وسط العمال الذين يقومون بترميم قصر الألفي مرتين وطردوه، لماذا إذن تركته الحراسة.. في المرة الثالثة كان كليبر يتناول الغداء في دار ريماس، وعاد إلى القصر فخرج الحلبي من خلف شجرة وطعنه، فرآه الضابط بروتان واعتدى على الحلبي بعصا، لكن سليمان هجم عليه وطعنه ست مرات، ثم عاد لكليبر وطعنه ثلاث طعنات واختفى”.

ويضيف: “وصل حراس كليبر بعد الجريمة بـ6 دقائق كاملين، وبعد العثور على جثة كليبر هدّدوا بإحراق مصر إذا لم يظهر القاتل، وبعد ساعة بحثوا في حديقة القصر، عثروا على الحلبي والخنجر مدفون.. لماذا إذا لم يهرب”.