السجائر المهربة في مصر.. دخان يتطاير بين خسائر مليارية ومؤامرة خارجية

0

يقف “وليد” في كشك صغير يبيع سلعًا بسيطة من مأكولات ومشروبات، لكنّ شيئًا آخر يبعيه دون أن يعرضه، قرر تخزينه في منزله، ليس لعدم وجود مكان في الكشك، لكن خشية أي “تفتيش مفاجئ”.

“وليد” ليس اسم التاجر الحقيقي لكنّنا اخترنا له هذا الاسم بالاتفاق معه وهو يحدثنا عن انتشار السجائر المهربة في السوق المصرية من بين أكثر من 85 مليار سيجارة، يجتر ملايين المصريين أنفاسها في كل عام.

الإقدام على الإتجار في السجائر المهربة تتضاعف فرصه في ظل مجتمع يمكن وصفه بـ”الشره” في التدخين، ومن لغة الإرقام يقول تقرير أمدتنا به شعبة الدخان والسجائر في اتحاد الصناعات، وقد صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إنّ 17.3% من إجمالي السكان (15 سنة فأكثر) مدخـنون وهو ما يمثل 11.1 مليون نسمة.

وتبلغ نسبة المدخنين بين الذكور نحو 34.2%، مقابل 0.2% بين الإناث، كما يتعرض نحو 30 مليون فرد للتدخين السلبي بسبب وجود فرد مدخن أو أكثر داخل الأسر بواقع  17.9مليون بالريف، 12.2 مليون بالحضر.

الأكثر من ذلك أنّ متوسط الإنفاق السنوي على التدخين للأسرة المصرية التي بها فرد مدخن أو أكثر يبلغ 5798 جنيهًا، وفقًا للتقرير.

“وليد” واحدٌ من تجار وباعة كثيرين، ممن يتاجرون في السجائر المهربة، يقول إنّه يأتي بها من “سِكَك معينة”، يبيعها بأسعار تقل كثيرًا عن مثيلاتها من السجائر لأنها غير خالصة الضريبة.

لم يفصح “وليد” عن المصادر التي يشتري منها هذه السجائر المهربة، لكنّه تحدّث لـ”سكاي مصر” قائلًا إنّه يتاجر في هذه التجارة نظرًا لانخفاض سعر هذه السجائر مقارنةً بغيرها من الأنواع الأخرى التي تكون مدفوعة الضرائب، وبالتالي يزيد ثمنها.

يوضّح “وليد” أنّه لا يبيع علب السجائر مفردة، لكنّه يبيع “القاروصة” كاملةً بسعر منخفض، ويضع مبررًا ذلك وهو الخوف من الملاحقة وذلك من خلال العمل على بيع الكميات المخزنة لديه على وجه السرعة.

الخوف من الملاحقة قاد “وليد” إلى فعل شيء آخر، وهو تخزين السجائر “المهربة” في مكان بعيد عن المحل الخاص به، وذلك تحسبًا لأي حملة تموينية تفتيشية مفاجئة، يرى أنّها ربما “توديه ورا الشمس” حسبما قال.

يقر “وليد” أنّ شيئًا ما غير صحيح يحدث وهو بيع السجائر المهربة، لكنه يرد على ذلك بأنّه يعمل على توفيرها للمشترين بسعر زهيد، وهو ما يُرد عليه من قِبل مسؤولين بأنّه أمر غير مقبول.

ففي تصريحات لـ”سكاي مصر”، يقول إبراهيم الإمبابي رئيس الشعبة العامة للدخان والسجائر باتحاد الصناعات إنّ سرقة حق الدولة عبر جرائم التهريب أمرٌ لا يمكن القبول به على الإطلاق.

ومع إقراره بأنّ الأمر لا يزال قائمًا إلى الآن، لكنّ الإمبابي يُشدّد على أنّ الدولة المصرية استطاعت توجيه ضربات قاسمة لعصابات التهريب، من خلال الجهود الدؤوبة التي يبذلها رجال حرس الحدود وأجهزة مكافحة التهريب، وهو ما توثّقه لغة الأرقام، حيث يوجد حاليًّا نحو مليار سيجارة مهربة من بين 85 مليار سيجارة يستهلكها المصريون سنويًّا. 

خسائر اقتصادية عديدة تتكبّدها الدولة من خلال تهريب السجائر في ظل عدم دفع قيمة ضريبتها، وتقدّر شعبة الدخان هذه الخسائر بأنّها تصل إلى المليارات، ما يستدعي ضرورة بذل مزيدٍ من الجهود من أجل اسئتصال هذه الظاهرة من جذورها بشكل كامل.

وبحسب تقديرات شعبة الدخان، فإنّ الخسائر الناجمة عن تهريب السجائر تصل إلى ملياري دولار، علمًا بأن يدعم موازنة الدولة بنحو 66 مليار جنيه، بحسب رئيس الشعبة.

وتَطرُق شعبة الدخان أجراس التنبيه حول ضرورة التصدي لهذه الظاهرة، من خلال فرض مزيد من الرقابة على المحال التجارية التي تتوسّع في أعمال البيع، لا سيّما في القرى والنجوع المنتشرة.

على الصعيد الأمني، يتفق العديد من الخبراء على اعتبار السجائر المهربة جزءٌ رئيس من العوامل التي تُشكّل تهديدًا للأمن القومي المصري.

يقول الخبير الأمني اللواء جمال مظلوم إنّ استهداف الدول لم يعد عبر السلاح والدبابة، لكنّ الأمر تحوّل إلى أشكال أكثر تنوعًا تقوم على تعريض أمن الدول للخطر غذائيًّا وصحيًّا واقتصاديًّا.

وفي حديثه لـ”سكاي مصر”، يؤكّد مظلوم أنّ دولًا خارجية تُحرّك أصابعها لإغراق السوق المصرية بالسلع المهربة ومن بينها السجائر، مشدّدًا على أنّ الهدف من هذه المؤامرة هو إحداث جانب من تغييب الوعي في مصر من جانب، مع العمل على تكبيد الاقتصاد خسائر كبيرة من الجانب الآخر. في الوقت نفسه، فإنّ اللواء مظلوم يؤكّد أنّ الدولة بذلت جهودًا ضخمة من أجل مكافحة هذا التهريب في مهمة شاقة زادت من صعوبتها ضخامة الحدود الساحلية التي أكّد أنّها أسهل وسيلة للتهريب التي تتبعها هذه العصابات.